وقفت أنتظر الحافلة مثقلا بما لدي من أدباش. محفظة ضخمة باليد اليمنى حشيت حشيا بما طاب من الأوراق، وكيس بلاستيكي كبير باليد اليسرى به لوازم المنزل الشهرية، وكيس آخر وضعته بين ساقي يحتوي ما اقتنيته من هدايا تحضرا لزيارة خطيبتي في نهاية الأسبوع، ساعة يد مذهبة وزجاجة عطر لخطيبتي، وقطعة قماش فاخرة لحماتي وصندوق حلوى للأخ الصغير.
قلبت نظري بين الكيسين، شعرت أنني أخطأت حين وضعت كيس الهدايا على الأرض، كان أولى بي أن أمسكه بيدي. هممت أن أغير وضع الكيسين لكنني سمعت جلبة كبيرة من حولي فرفعت رأسي لأجد الحافلة أمامي.
تدافع الناس من حولي وتزاحموا. لكزني أحدهم من ظهري فكدت أسقط الكيس من يدي، ودفعني آخر فكدت أسقط أنا نفسي. قبضت على الكيسين جيدا وانتظرت أن يصعد كل الناس كي أصعد بدوري.
ولكن الزحام لم ينته، والحافلة العجوز المتآكلة أخذت ترزح تحت قل عشرات من البشر المتدافعين، القوي يصعد قبل الضعيف والشاب قبل المسن والرجل قبل المرأة، كأن الحافلة ستقلهم إلى جنات النعيم.
حين أخذت الحافلة تتحرك أيقنت أنني إن لم أفعل مثلهم أبيت الليلة حيث أنا فعضضت على شاربي ودفعت أول من اعترضني واستقلت المدرج.
شققت الصفوف والحافلة تتحرك. يداي المحملتان منعتاني من التماسك فأخذت أتمايل كزورق خدعته العاصفة. دفعت امرأة واقفة فصاحت ولكزت رجلا فنهرني وحين استرجعت توازني رفسني أحدهم فلم أتكلم.
أخذت أتملى الناس من حولي وقد تلاصقوا واختلطت أجسامهم حتى أن الرائي لا يستطيع أن يربط مختلف الأطراف بأجسادها ولا أن يعرف لمن من الراكبين تلك الرأس أو تينك اليدان.
الحافلة عالم عجيب، مكان مسحور، فيه يمكن أن ترى دونما خدع سحرية رأس رجل فوق كتفي صبي، وعجيزة امرأة على ساقي شاب.
تناهى إلى مسمعي صوت عجوز يتكلم، كان يتحدث عن حياته ككل الذين تركوها خلفهم. قال قضيت عمري حاجبا بالإدارة، أربعون سنة كاملة، أديت فيها واجبي بإخلاص، وحين تقاعدت لم أترك إلا الأثر الطيب.
مر أمامي عشرات الموظفين والمسؤولين، ارتقى بعضهم في رتب الوظيفة وضاع بعضهم في غياهب الحياة. لم أعمل يوما لصالح أحد. ضيعت على نفسي عديد الفرص الثمينة من أجل الضمير، ما تزوجت وما أنجبت أطفالا ولكنني اليوم أحمد الله على ما أنا فيه. لا يأكل الإنسان إلا اللقمة التي كتبت له.
ابتسمت لحديثه، هو ذا أحد السابقين في الإدارة، وها أنا أحد اللاحقين فيها. أربعون سنة كاملة بالإدارة، عمر كامل، عمر يكاد يضاعف عمري، يا له من كفاح.
الدور علي
























