74

كتبها أنيس الوهابي ، في 12 سبتمبر 2008 الساعة: 11:27 ص

  

وقفت أنتظر الحافلة مثقلا بما لدي من أدباش. محفظة ضخمة باليد اليمنى حشيت حشيا بما طاب من الأوراق، وكيس بلاستيكي كبير باليد اليسرى به لوازم المنزل الشهرية، وكيس آخر وضعته بين ساقي يحتوي ما اقتنيته من هدايا تحضرا لزيارة خطيبتي في نهاية الأسبوع، ساعة يد مذهبة وزجاجة عطر لخطيبتي، وقطعة قماش فاخرة لحماتي وصندوق حلوى للأخ الصغير.

 قلبت نظري بين الكيسين، شعرت أنني أخطأت حين وضعت كيس الهدايا على الأرض، كان أولى بي أن أمسكه بيدي. هممت أن أغير وضع الكيسين لكنني سمعت جلبة كبيرة من حولي فرفعت رأسي لأجد الحافلة أمامي.

 تدافع الناس من حولي وتزاحموا. لكزني أحدهم من ظهري فكدت أسقط الكيس من يدي، ودفعني آخر فكدت أسقط أنا نفسي. قبضت على الكيسين جيدا وانتظرت أن يصعد كل الناس كي أصعد بدوري.

 ولكن الزحام لم ينته، والحافلة العجوز المتآكلة أخذت ترزح تحت قل عشرات من البشر المتدافعين، القوي يصعد قبل الضعيف والشاب قبل المسن والرجل قبل المرأة، كأن الحافلة ستقلهم إلى جنات النعيم.

 حين أخذت الحافلة تتحرك أيقنت أنني إن لم أفعل مثلهم أبيت الليلة حيث أنا فعضضت على شاربي ودفعت أول من اعترضني واستقلت المدرج.

 شققت الصفوف والحافلة تتحرك. يداي المحملتان منعتاني من التماسك فأخذت أتمايل كزورق خدعته العاصفة. دفعت امرأة واقفة فصاحت ولكزت رجلا فنهرني وحين استرجعت توازني رفسني أحدهم فلم أتكلم.

 أخذت أتملى الناس من حولي وقد تلاصقوا واختلطت أجسامهم حتى أن الرائي لا يستطيع أن يربط مختلف الأطراف بأجسادها ولا أن يعرف لمن من الراكبين تلك الرأس أو تينك اليدان.

 الحافلة عالم عجيب، مكان مسحور، فيه يمكن أن ترى دونما خدع سحرية رأس رجل فوق كتفي صبي، وعجيزة امرأة على ساقي شاب.

 تناهى إلى مسمعي صوت عجوز يتكلم، كان يتحدث عن حياته ككل الذين تركوها خلفهم. قال قضيت عمري حاجبا بالإدارة، أربعون سنة كاملة، أديت فيها واجبي بإخلاص، وحين تقاعدت لم أترك إلا الأثر الطيب.

 مر أمامي عشرات الموظفين والمسؤولين، ارتقى بعضهم في رتب الوظيفة وضاع بعضهم في غياهب الحياة. لم أعمل يوما لصالح أحد. ضيعت على نفسي عديد الفرص الثمينة من أجل الضمير، ما تزوجت وما أنجبت أطفالا ولكنني اليوم أحمد الله على ما أنا فيه. لا يأكل الإنسان إلا اللقمة التي كتبت له.

 ابتسمت لحديثه، هو ذا أحد السابقين في الإدارة، وها أنا أحد اللاحقين فيها. أربعون سنة كاملة بالإدارة، عمر كامل، عمر يكاد يضاعف عمري، يا له من كفاح.

 الدور علي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كل شيئ على ما يرام

كتبها أنيس الوهابي ، في 10 سبتمبر 2008 الساعة: 16:35 م

 إرتفع الصوت من خلال السماعات.. عشر ثوان وتفتح البوابة.

 إبتسم بزهو، أعاد تفقد زيه ووقف متحفزا. أنزل الواقي الشمسي ليغطي عينيه وشد قبضته على العمود.

 حين فتح الباب دق قلبه بعنف. بدا ضوء الشمس قويا رغم الواقي. أخذت الدعامة تتحرك اتخرجه من المركبة فشد العمود بقبضتيه.

 تحسس خطواته. وقف مقابلا الفضاء الرحب. تملى الكون الشاسع من حوله. تملى في النجوم تعن عن بعد.. هو ذا الفضاء الذي يراه كما لا يراه أحد، واسع وسرمدي وصامت.

 نزل رويدا رويدا درجات السلم. تماسك جيدا. أحس نفسه خفيفا جدا. أخف مما كان في المركبة. أصابته الرهبة للحظات. أحس نفسه صغيرا جدا أمام الفضاء المترامي وأحس أن المركبة ضائعة في عالم لا حدود له.

 بحث عن توازنه محاذرا أية حركة تذهب به بعيدا أو تقلبه رأسا على عقب.

 صاح في مرافقيه المترقبين في المركبة.. كل شيء على ما يرام.

 فارتفع الصوت من خلال السماعات.. حظ سعيد.

 أخرج آلات العمل من المحفظة وأخذ ينفذ برنامج الصيانة بكل دقة. مهمته ليست صعبة على دقتها. كان يجب أن يقوم بصيانة أحد الأقمار المترامية في الفضاء. سيغير قطعة بأخرى ويحكم إدارة أحد البراغي ثم يعود إلى المر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هكذا تكلم الجلاد قبل أن يُشنق

كتبها أنيس الوهابي ، في 10 سبتمبر 2008 الساعة: 16:28 م

 
حكموا عليه بالشنق ثم قالوا له تكلم.
سموه زعيما ثم سفاحا ثم جلادا. كبلوه بالحديد وسدوا فمه، وحين نطقوا بالحكم نزعوا عنه الكمامة.
وتكلم الجلاد قبل أن يشنق..
إلتف حوله الناس. صاحوا بكل الأصوات. ضربوه بالحجارة ولعنوه.
تحلقوا حوله. لطموه. هتفوا بموته. دفعوا به إلى مدرج المشنقة وقالوا له تكلم.
فتكلم..
 
لم أكن حرا مثل اليوم. كنت زعيمكم ولم أكن حرا مثل اليوم. تكلمت كثيرا وأنصتم كثيرا. قدري أن أتكلم دوما وقدركم الفعل المضاد.
 
لن يستطيع أي منكم أن يتكلم بمفرده. أنتم يا ذباب المقابر، يا جثثا تتحرك.. أظل زعيمكم حيا أو ميتا. وتعيشون في مزابل التاريخ.
 
قطعت منكم رؤوسا كثيرة. ولو عشت أكثر لقطعت رؤوسا أكثر. تعيشون رعايا وتموتون رعايا.. ولا شيئ فيكم من نخوة الأسياد.
 
لأول مرة أعرف المعنى الحقيقي لحياتي.. لقد عشت لأقطع رؤوس من لا يملكون معنا لحياتهم.
 
هل كانت الحياة تكون نفسها لو لم أولد؟ وهل كانت الحياة تكون نفسها لو لم أشنق؟
 
كم واحد منكم مثل أمامي متهما فبرأته؟ ولكني اليوم لا أجد أحدا يبرئني.
 
يا أيها الذين أسبغت عليهم نعمتي فتنكروا لي. يا أيها الذين أسبغت عليهم نعمتي فصمتوا على شنقي. صمتكم أفضع من سباب الرعاع.
 
يا أيها الشرفاء الصامتون. كلكم كنتم أصدقائي، ومع كل درج من هذه الأدراج أخسر صديقا منكم. اليوم فقط أعرف ألا صديق لي إلا نفسي.
 
القوانين صغتها بنف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق