ومضات قصصية 2

يناير 8th, 2009 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص, ومضات قصصية

قمّة

هذا المساء التقى كل أصحاب الفخامة والسيادة والجلالة والسمو والمعالي والغبطة والسعادة والأسياد والمشايخ والقادة والرؤساء والأمراء والمدراء.

رحّبوا وشكروا ونوّهوا وأشادُوا.

شجبوا واستنكروا وندّدوا وأدانُوا.

السهرة صاخبة حتى مطلع الفجر.

  

قصيدة

 أنا لا أكتب شعرا

أنا أكتب فنا

يسبقني وأسبقه

يلدني وأعدمه

ومن الحروف أغرس شجرة

المزيد


بابا نوال

ديسمبر 6th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص

حين عرض علي صديقي أن أحضر الحفلة التنكرية التي ينظمها ضحكت بادئ الأمر، إذ جرت العادة ألا ينظم مثل هذه الحفلات عندنا إلا الأطفال في النوادي.

 وحيث أنني أكره الحفلات بطبعي ويصيبني حرج كبير في وجود جمع من الناس فقد إعتذرت لصديقي عن الحضور مخيرا سهرة هادئة في بيتي عن سهرة صاخبة تفضح خجلي الفطري

 ولكنني أخذت أستحسن الفكرة رويدا رويدا بآعتبار أن زي التنكر سوف يخفي خجلي بل وقد يشجعني على التصرف بأكثر حرية

 فكرت في نوع الزي الذي يمكن أن أرتديه واشتدت حيرتي فلم أعد أفكر بقية الأسبوع إلا في هذا الأمر.

 تعددت الأفكار وحرت بين شكل البدوي والشحاذ والطبيب والعسكري والمجنون وراقص الباليه. وكدت أخيرا أن أختار هيأة ساحر شرير ولكن فكرة طريفة عنت لي أخيرا فمضيت فيها.

 إشتريت قماشا أحمر أخطت منه رداء وصنعت لحية كبيرة من القطن وابتعت أحذية ثلج ضخمة وحين إرتديت البدلة ووقفت أمام المرآة أحسست أنني حقا أمام بابا نوال.

 دخلت قاعة الإحتفال مختفيا في هيأة بابا نوال فوجدت عشرات من الضيوف من مختلف الأشكال.

 إستهواني الحفل وجوه المرح، وقضيت برهة أحاول أن أتعرف على أصدقائي من وراء الأقنعة والأزياء.

 أخذت أدور بين الحضور أحادث الناس وألاطفهم واستغربت من تصرفاتي المتفتحة التي ما عهدتها في نفسي.

 صاح بي أحدهم..

 - أهلا بالزميل.

 إلتفت لأجد رجلا آخر متنكرا في شكل بابا نوال. ضحكت للأمر وقلت له..

 - أهلا بك. كيف حالك ؟

 كا

المزيد


الكفن

أكتوبر 11th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , أدب, قصص, مطالعة

ترى كم مرة بدل كفن ؟ قد بلغ العدد العشرين أو يزيد ؟ أول مرة اشترى فيها كفنا كانت إثر دخوله المستشفى لآستئصال المرارة . من حينها أصيب بهلواس الموت. أصبح ينام كل ليلة مرتعشا يحسب أنها آخر ليلة في عمره، ويستيقظ مندهشا كأن الشمس تشرق له لآخر مرة.

 حين خرج من المستشفى بعد العملية إشترى كفنه الأول. إختاره من أجود أنواع القماش، واشترى معه كل ما يلزمه من تجهيزات الميت، ثم خبأه في آخر درج في خزانته بحيث لا تصله أيدي الفضوليين . لكنه قضى ليلته مفكرا في كفنه وأيدي الفضوليين التي يمكن أن تصل إليه، فاشترى له من الغد محفظة خبأه فيها وأغلق المحفظة بالمفتاح ثم أعاده إلى ذلك الدرج الذي كان فيه، آخر درج في خزنته.

 نسيه لبعض أسابيع، وحين عاودته الآلام لفشل في كليتيه فتح خزانته، أدخل يديه في الدرج الذي خبأ فيه الحقيبة، آخر درج في خزانته . فتح المحفظة وأخرج الكفن، تحسس قماشه وأطال النظر في لونه الأبيض الناصع، عدد كل التجهيزات الأخرى ثم أعاده إلى مكانه وقد أحس أن فشله الكلوي أخذ يزداد.

 كاد يجزم أن المناسبة القادمة التي ستفتح فيها الخزانة و تسحب الحقيبة التي تحوي الكفن ستكون إثر موته لتجهيزه ودفنه.

 وأصبح الهلواس يعاوده حينا بعد حين، حين يحس بإرهاق إثر العمل أو صداع إثر سهاد يجري إلى الخزانة ليفتحها وإلى الحقيبة ليسحبها وإلى كفنه ليتحسسه ويعدد مختلف اللوازم الأخرى.

 حدث أحدهم يوما عن الكفن فقال له إنه لا يجب أن يدور عليه الحول، فعدد الأشهر والأيام وتصدق

المزيد


أنا اللآخر

أكتوبر 10th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص

حين تقابلنا أول مرة صاح كل منا.. مستحيل، أنت تشبهني أكثر من نفسي.

 حين تقابلنا أول مرة أحس كل منا أنه ينظر إلى نفسه في المرآة. كان الشبه شديدا، بل إنه لم يكن تشابها ولكن تطابقا.

 مكثنا نحملق في بعضنا البعض ساعة قبل أن ننطق من جديد في نفس الوقت وبنفس الكلمات.. من أنت؟

 ثم ابتسمنا، نفس الإبتسامة المحتشمة التى لا تكاد ترى. قلت في نفسي لو نطقت من جديد سينطق بالمثل، لذلك سكتت وأخذت أبحث عن مكان نجلس فيه ونبتعد عن ضجيج الشارع.

 تراءى لي في منعطف الشارع كرسي عمومي، وحين يممت صوبه وجدته قد توجه نحوه أيضا كأنما أشرت له بذلك.

 جلسنا على الكرسي متجانبين، لم أستطع أن أقول شيئا . كنت أريد أن أعبر له عن درجة الشبه التي بيننا، كنت أريد أن أسأله من يكون، وكيف جاء إلى حيث أسكن.

 كنت أريد أن أعرف أيضا إن كان يشبهني في الشكل فقط أم أن التطابق كان يتعدى ذلك إلى التفكير والعادات والمزاج والذوق والشخصية والعواطف والأحلام والتصرفات…

 أحسست أن رأسي يؤلمني، رفعت يدي أمسح عرقا بجبيني وإذا بيده ترتفع أيضا لتمسح قطرة تلألأت فوق حاجبه.

 أحسست بالدوار، لم يكن الأمر سهل التصديق . ما سمعت يوما باثنين تشابها إلى هذا الحد . قمت من مكاني ويممت صوب منزلي دون أن ألتفت ورائي. أحسست نفسي في حلم بل في كابوس أردت التخلص منه بأية وسيلة.

 قمت من الغد نشطا كعادتي، كدت أنسى الحكاية وأحسبها حلما إنتهى لولا أنني وجدته أمامي حين دخلت المقهى يبحث على مقعد للجلوس.

 تقابلنا على طاولة واحدة وحين جاء النادل طلبنا نفس المشروب، القهوة الكبيرة بالحليب بقطعة السكر الواحدة.

 أخذت أحرك القهوة وأنظر إليه، من عادتي أن أحرك القهوة كثيرا قبل أن أشربها، وحين نظرت إلى يده وجدته يحرك قهوته بمثل عصبيتي التي لا تبدو كثيرا للعيان.

 ترشفت الرشفة الأولى بتمهل ثم أكملت كأسي على عجل ففعل مثلي، قمت من مكاني واتجهت إلى عملي فقام معي وتفارقنا في المنعطف.

 حين رأيته في العشية وقد لبس بدلة رياضية ووقف أمام الحديقة العمومية لم أستغرب كثيرا، إذ كانت تلك عادتي منذ حللت بالمدينة.

 أخذنا نجري جنبا إلى جنب بنفس الخطوة ونفس النسق . أصابتني فجأة س

المزيد


وتمضي النساء

سبتمبر 24th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص

 

اليوم أبلغ من العمر خمس وأربعين سنة. علمت بذلك حين هاتفتني أمي صباحا وأنا في طريقي إلى العمل. يالها من امرأة، لا امرأة أخرى فكرت في أن تتمنى لي عيدا سعيدا. وحدها أمي باتت تنتظر الصباح حتى تقول لي..

 

 .-صباح الخير يا عزيز.. عيد ميلاد سعيد.

 -  أوه.. صباح الخير يا أمي، دائما في الموعد.

 -  طبعا عزيزي.. ومن لي غيرك أفكر فيه ؟

 -  أطال الله عمرك يا أمي.

 -  كم عمرك الآن ؟ خمس وأربعون سنة. بالأمس فقط كنت في حضني لا تطيق فراقه..  يا الله كم تمر السنوات سريعا.

 فاجأها السعال فتوقفت عن الكلام قليلا. قالت..

 -  لا أطلب من الله إلا أن يطيل عمري حتى أفرح بك.

 ضحكت لكلامها. منذ مدة كان هذا القول يغضبني فأمضي في صراخ متواصل.. هذا موضوع يهمني وحدي، دعوني أختار حياتي كما أريد. ولكن الآن ما عدت أغضب، أصبح هذا القول يضحكني. هذه أمي لن تتغير، منذ عشرين سنة وهي تحاول أن تقنعني بالزواج، تدفعني أحيانا إليه دفعا، ولكنني لا أطاوعها. أهرب منها تارة وأنفعل طورا.

 قبل تخرجي كانت تقول لي أحيانا.. هيا يا عزيز أكمل دراستك لأفرح بك. وحين إلتحقت بعملي أصبحت تأتيني أحيانا مستفسرة كعون بوليسي فاشل.. هيه.. هل وجدت بنت الحلال ؟

 أو تقول لي أحيانا.. ماذا أقول لك يا عزيز.. بالأمس ذهبت إلى الحمام..  ماذا أقول، لقد أعجبتني فتاة هناك. إنها جميلة جدا وأنت تعرف ذوق أمك. جميلة والله. طويلة القد رشيقة وبشرتها بيضاء.

 أتجاهلها فتضيف.. أنا أعرف النساء. لقد قلبتها من كل النواحي. كنا في الحمام ولا مكان يريك جسد المرأة مثله.

 وكنت أحب المشاكسة فأسألها..

 - وماذا كانت تلبس يا أمي ؟

 فتضربني على يدي وتقول..

 -  دعك من ذلك يا لعين. والله لقد أعجبتني. سألتها عن أبويها فاتضح أنهم من أحبابنا، إنني أعرف أمها منذ كنت صغيرة.

 أقول لها مقاطعا..

 -  ولكنك مازلت صغيرة يا أماه.

 فتتنهد أمي وتلوح برأسها..

 -  أمك أيامها راحت يا عزيز.

 ثم لا تلبث أن تستدرك..

 -  ماذا قلت.. هلا خطبناها ؟

 فأقول..

 -  ليس هذا أوانه يا أمي.

 فتصيح قائلة..

 -  يا خيبتي ومتى أوانه يا عزيز ؟ البنت ستخطف ولا يبقى لنا سوى الندم..

 فأقول..

 -  لا بأس إن كانت من نصيبي فسوف تنتظرني..

 حين بلغت الثلاثين ناداني أبي يوما، كان جالسا على كرسيه المريح بعد صلاة العشاء يسبح ويحوقل. أجلسني أمامه وقال لي..

 -  أرى يا بني أنك بلغت السن الملائمة لكي تفكر في نصف دينك.

 قلت..

 -  نعم يا أبي، ولكن تمنعني بعض الظروف من ذلك.

 قال..

  - عملك على أحسن ما يرام يا بني فلم لا تفكر في الزواج ؟

 -  لا علاقة للأمربالعمل يا أبي ولكنني لست مستعدا الآن.

 بعدها بسنوات ناداني من جديد. أجلسني أمامه وسألني..

 -  هلا حان أوان الزواج ؟

 فأومأت أن لا دون أن أتكلم.

 قال..

 -  يا بني.. لقد بدأت تكبر، وأنا وأمك نريد أن نفرح بك قبل أن يحكم الله بأمر كان مقضيا.

 قلت له..

 -  لست مستعجلا أطال الله عمرك.. سيأتي أوانه..

 فقال متنهدا..

 -  الله يفتح عليك ويهديك.

 من يومها ما أعاد طرق الموضوع علي وإن كنت أراه يهم أحيانا بأن يفعل

المزيد


الحائط

سبتمبر 22nd, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص

  

الحائط كان منتصبا في وسط الشارع، عاليا، رمادي اللون وكئيبا. أخذت أنظر إليه مستغربا، بدا لي غريبا في مكانه. لم يكن هناك شيء ليحميه لا خلفه ولا أمامه.

 الحائط كان منتصبا دونما سبب. بحثت عن سبب لوجوده هناك في وسط الشارع لكن عقلي لم يوصلني إلى أي جواب.

 الحائط كان يمنع الشمس عن المكان ويعوق المارة في سيرهم.

 المارة كانوا يدورون حوله جيئة وذهابا ولكن لا أحد تساءل عن سبب وجوده.

 سألت أول من إعترضني..

 - لماذا بني الحائط في هذا المكان ؟  

 حدجني الرجل بنظرة غريبة وانصرف دون أن يكلمني.  

 قلت في نفسي، لعله لا يملك مثلي جوابا، سألت رجلا آخر..  

- ماهذا الحائط المنتصب وسط الشارع ؟  

 تجاهل الرجل سؤالي، نظر حوله بتوتر وانصرف دون أن يجيبني.

 إتجهت إلى رجل كان جالسا على الرصيف يغالب النعاس..

 - أود لو أعرف لم بني هذا الحائط هنا وسط الشارع.

 رفع الرجل رأسع بتثاقل، نظر إلي ببلاهة ثم عاد إلى مغالبة النعاس.

ألح علي السؤال واستغربت لم يتجاهل الناس سؤالي، أتراهم لا يملكون مثلي جوابا ؟ أم أن في سؤالي ما يخيف ؟

 أخذت أحوم حول الحائط، أبحث عن سبب لوجوده أو سبب للتصرف الغريب الذي قابلني به كل من سألته.

 إتجهت إلى شرطي يقف مجهدا، سألته..

 - ألا ترى أن الحائط يعطل سير المرور ؟

المزيد


حوار النجوم

سبتمبر 13th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص

 

 قال  :  ضللت أنتظرك خمس مليارات من السنين

 قالت :  هذا عمر الشمس وليس عمرك

 قال  :  أنا الشمس التي ضلت تنتظر قمرها كل هذا التاريخ

 قالت :  ليس للشموس أقمار

 قال  :  بلى، أنت قمري

 قالت :  أخاف إن إقتربت منك أكثر أحترق

 قال  :  في الإحتراق حياة أخرى لو تعلمين

 قالت :  أخير أن أبقى حيث أنا أتدفأ بك من بعيد

 قال  :  من لم يجرب الإحتراق بلهيبي لم يعش ولو لحظة نور واحدة في حياته

 قالت :  أنت لست نورا، أنت نار محرقة

 قال  :  في دنيا الكواكب ليس هناك فرق بين النور والنار، كلاهما أصل للآخر وتجلي

 قالت :  تريد بكلامك هلاكي

 قال  :  أبدا، لا أريد هلاكك وقد إنتظرتك طويلا

 قالت :  من ارتضى لنفسه الإنتظار لملايين السنين فاقد لمعنى الزمن

 قال  :  لحظة احتراق واحدة تكفر عن كل تلك السنوات

 قالت :  إحترق وحدك إذن

 

المزيد


74

سبتمبر 12th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , أدب, قصص

  

وقفت أنتظر الحافلة مثقلا بما لدي من أدباش. محفظة ضخمة باليد اليمنى حشيت حشيا بما طاب من الأوراق، وكيس بلاستيكي كبير باليد اليسرى به لوازم المنزل الشهرية، وكيس آخر وضعته بين ساقي يحتوي ما اقتنيته من هدايا تحضرا لزيارة خطيبتي في نهاية الأسبوع، ساعة يد مذهبة وزجاجة عطر لخطيبتي، وقطعة قماش فاخرة لحماتي وصندوق حلوى للأخ الصغير.

 قلبت نظري بين الكيسين، شعرت أنني أخطأت حين وضعت كيس الهدايا على الأرض، كان أولى بي أن أمسكه بيدي. هممت أن أغير وضع الكيسين لكنني سمعت جلبة كبيرة من حولي فرفعت رأسي لأجد الحافلة أمامي.

 تدافع الناس من حولي وتزاحموا. لكزني أحدهم من ظهري فكدت أسقط الكيس من يدي، ودفعني آخر فكدت أسقط أنا نفسي. قبضت على الكيسين جيدا وانتظرت أن يصعد كل الناس كي أصعد بدوري.

 ولكن الزحام لم ينته، والحافلة العجوز المتآكلة أخذت ترزح تحت قل عشرات من البشر المتدافعين، القوي يصعد قبل الضعيف والشاب قبل المسن والرجل قبل المرأة، كأن الحافلة ستقلهم إلى جنات النعيم.

 حين أخذت الحافلة تتحرك أيقنت أنني إن لم أفعل مثلهم أبيت الليلة حيث أنا فعضضت على شاربي ودفعت أول من اعترضني واستقلت المدرج.

 شققت الصفوف والحافلة تتحرك. يداي المحملتان منعتاني من التماسك فأخذت أتمايل كزورق خدعته العاصفة. دفعت امرأة واقفة فصاحت ولكزت رجلا فنهرني وحين استرجعت توازني رفسني أحدهم فلم أتكلم.

 أخذت أتملى الناس من حولي وقد تلاصقوا واختلطت أجسامهم حتى أن الرائي لا يستطيع أن يربط مختلف الأطراف بأجسادها ولا أن يعرف لمن من الراكبين تلك الرأس أو تينك اليدان.

 الحافلة عالم عجيب، مكان مسحور، فيه يمكن أن ترى دونما خدع سحرية رأس رجل فوق كتفي صبي، وعجيزة امرأة على ساقي شاب.

 تناهى إلى مسمعي صوت عجوز يتكلم، كان يتحدث عن حياته ككل الذين تركوها خلفهم. قال قضيت عمري حاجبا بالإدارة، أربعون سنة كاملة، أديت فيها واجبي بإخلاص، وحين تقاعدت لم أترك إلا الأثر الطيب.

 مر أمامي عشرات الموظفين والمسؤولين، ارتقى بعضهم في رتب الوظيفة وضاع بعضهم في غياهب الحياة. لم أعمل يوما لصالح أحد. ضيعت على نفسي عديد الفرص الثمينة من أجل الضمير، ما تزوجت وما أنجبت أطفالا ولكنني اليوم أحمد الله على ما أنا فيه. لا يأكل الإنسان إلا اللقمة التي كتبت له.

 ابتسمت لحديثه، هو ذا أحد السابقين في الإدارة، وها أنا أحد اللاحقين فيها. أربعون سنة كاملة بالإدارة، عمر كامل، عمر يكاد يضاعف عمري، يا له من كفاح.

 الدور علي

المزيد


كل شيئ على ما يرام

سبتمبر 10th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , قصص

 إرتفع الصوت من خلال السماعات.. عشر ثوان وتفتح البوابة.

 إبتسم بزهو، أعاد تفقد زيه ووقف متحفزا. أنزل الواقي الشمسي ليغطي عينيه وشد قبضته على العمود.

 حين فتح الباب دق قلبه بعنف. بدا ضوء الشمس قويا رغم الواقي. أخذت الدعامة تتحرك اتخرجه من المركبة فشد العمود بقبضتيه.

 تحسس خطواته. وقف مقابلا الفضاء الرحب. تملى الكون الشاسع من حوله. تملى في النجوم تعن عن بعد.. هو ذا الفضاء الذي يراه كما لا يراه أحد، واسع وسرمدي وصامت.

 نزل رويدا رويدا درجات السلم. تماسك جيدا. أحس نفسه خفيفا جدا. أخف مما كان في المركبة. أصابته الرهبة للحظات. أحس نفسه صغيرا جدا أمام الفضاء المترامي وأحس أن المركبة ضائعة في عالم لا حدود له.

 بحث عن توازنه محاذرا أية حركة تذهب به بعيدا أو تقلبه رأسا على عقب.

 صاح في مرافقيه المترقبين في المركبة.. كل شيء على ما يرام.

 فارتفع الصوت من خلال السماعات.. حظ سعيد.

 أخرج آلات العمل من المحفظة وأخذ ينفذ برنامج الصيانة بكل دقة. مهمته ليست صعبة على دقتها. كان يجب أن يقوم بصيانة أحد الأقمار المترامية في الفضاء. سيغير قطعة بأخرى ويحكم إدارة أحد البراغي ثم يعود إلى المر

المزيد


هكذا تكلم الجلاد قبل أن يُشنق

سبتمبر 10th, 2008 كتبها أنيس الوهابي نشر في , أدب, قصص

 
حكموا عليه بالشنق ثم قالوا له تكلم.
سموه زعيما ثم سفاحا ثم جلادا. كبلوه بالحديد وسدوا فمه، وحين نطقوا بالحكم نزعوا عنه الكمامة.
وتكلم الجلاد قبل أن يشنق..
إلتف حوله الناس. صاحوا بكل الأصوات. ضربوه بالحجارة ولعنوه.
تحلقوا حوله. لطموه. هتفوا بموته. دفعوا به إلى مدرج المشنقة وقالوا له تكلم.
فتكلم..
 
لم أكن حرا مثل اليوم. كنت زعيمكم ولم أكن حرا مثل اليوم. تكلمت كثيرا وأنصتم كثيرا. قدري أن أتكلم دوما وقدركم الفعل المضاد.
 
لن يستطيع أي منكم أن يتكلم بمفرده. أنتم يا ذباب المقابر، يا جثثا تتحرك.. أظل زعيمكم حيا أو ميتا. وتعيشون في مزابل التاريخ.
 
قطعت منكم رؤوسا كثيرة. ولو عشت أكثر لقطعت رؤوسا أكثر. تعيشون رعايا وتموتون رعايا.. ولا شيئ فيكم من نخوة الأسياد.
 
لأول مرة أعرف المعنى الحقيقي لحياتي.. لقد عشت لأقطع رؤوس من لا يملكون معنا لحياتهم.
 
هل كانت الحياة تكون نفسها لو لم أولد؟ وهل كانت الحياة تكون نفسها لو لم أشنق؟
 
كم واحد منكم مثل أمامي متهما فبرأته؟ ولكني اليوم لا أجد أحدا يبرئني.
 
يا أيها الذين أسبغت عليهم نعمتي فتنكروا لي. يا أيها الذين أسبغت عليهم نعمتي فصمتوا على شنقي. صمتكم أفضع من سباب الرعاع.
 
يا أيها الشرفاء الصامتون. كلكم كنتم أصدقائي، ومع كل درج من هذه الأدراج أخسر صديقا منكم. اليوم فقط أعرف ألا صديق لي إلا نفسي.
 
القوانين صغتها بنف

المزيد