اليوم أبلغ من العمر خمس وأربعين سنة. علمت بذلك حين هاتفتني أمي صباحا وأنا في طريقي إلى العمل. يالها من امرأة، لا امرأة أخرى فكرت في أن تتمنى لي عيدا سعيدا. وحدها أمي باتت تنتظر الصباح حتى تقول لي..
.-صباح الخير يا عزيز.. عيد ميلاد سعيد.
- أوه.. صباح الخير يا أمي، دائما في الموعد.
- طبعا عزيزي.. ومن لي غيرك أفكر فيه ؟
- أطال الله عمرك يا أمي.
- كم عمرك الآن ؟ خمس وأربعون سنة. بالأمس فقط كنت في حضني لا تطيق فراقه.. يا الله كم تمر السنوات سريعا.
فاجأها السعال فتوقفت عن الكلام قليلا. قالت..
- لا أطلب من الله إلا أن يطيل عمري حتى أفرح بك.
ضحكت لكلامها. منذ مدة كان هذا القول يغضبني فأمضي في صراخ متواصل.. هذا موضوع يهمني وحدي، دعوني أختار حياتي كما أريد. ولكن الآن ما عدت أغضب، أصبح هذا القول يضحكني. هذه أمي لن تتغير، منذ عشرين سنة وهي تحاول أن تقنعني بالزواج، تدفعني أحيانا إليه دفعا، ولكنني لا أطاوعها. أهرب منها تارة وأنفعل طورا.
قبل تخرجي كانت تقول لي أحيانا.. هيا يا عزيز أكمل دراستك لأفرح بك. وحين إلتحقت بعملي أصبحت تأتيني أحيانا مستفسرة كعون بوليسي فاشل.. هيه.. هل وجدت بنت الحلال ؟
أو تقول لي أحيانا.. ماذا أقول لك يا عزيز.. بالأمس ذهبت إلى الحمام.. ماذا أقول، لقد أعجبتني فتاة هناك. إنها جميلة جدا وأنت تعرف ذوق أمك. جميلة والله. طويلة القد رشيقة وبشرتها بيضاء.
أتجاهلها فتضيف.. أنا أعرف النساء. لقد قلبتها من كل النواحي. كنا في الحمام ولا مكان يريك جسد المرأة مثله.
وكنت أحب المشاكسة فأسألها..
- وماذا كانت تلبس يا أمي ؟
فتضربني على يدي وتقول..
- دعك من ذلك يا لعين. والله لقد أعجبتني. سألتها عن أبويها فاتضح أنهم من أحبابنا، إنني أعرف أمها منذ كنت صغيرة.
أقول لها مقاطعا..
- ولكنك مازلت صغيرة يا أماه.
فتتنهد أمي وتلوح برأسها..
- أمك أيامها راحت يا عزيز.
ثم لا تلبث أن تستدرك..
- ماذا قلت.. هلا خطبناها ؟
فأقول..
- ليس هذا أوانه يا أمي.
فتصيح قائلة..
- يا خيبتي ومتى أوانه يا عزيز ؟ البنت ستخطف ولا يبقى لنا سوى الندم..
فأقول..
- لا بأس إن كانت من نصيبي فسوف تنتظرني..
حين بلغت الثلاثين ناداني أبي يوما، كان جالسا على كرسيه المريح بعد صلاة العشاء يسبح ويحوقل. أجلسني أمامه وقال لي..
- أرى يا بني أنك بلغت السن الملائمة لكي تفكر في نصف دينك.
قلت..
- نعم يا أبي، ولكن تمنعني بعض الظروف من ذلك.
قال..
- عملك على أحسن ما يرام يا بني فلم لا تفكر في الزواج ؟
- لا علاقة للأمربالعمل يا أبي ولكنني لست مستعدا الآن.
بعدها بسنوات ناداني من جديد. أجلسني أمامه وسألني..
- هلا حان أوان الزواج ؟
فأومأت أن لا دون أن أتكلم.
قال..
- يا بني.. لقد بدأت تكبر، وأنا وأمك نريد أن نفرح بك قبل أن يحكم الله بأمر كان مقضيا.
قلت له..
- لست مستعجلا أطال الله عمرك.. سيأتي أوانه..
فقال متنهدا..
- الله يفتح عليك ويهديك.
من يومها ما أعاد طرق الموضوع علي وإن كنت أراه يهم أحيانا بأن يفعل
المزيد