أنا اللآخر

كتبهاأنيس الوهابي ، في 10 أكتوبر 2008 الساعة: 14:38 م

حين تقابلنا أول مرة صاح كل منا.. مستحيل، أنت تشبهني أكثر من نفسي.

 حين تقابلنا أول مرة أحس كل منا أنه ينظر إلى نفسه في المرآة. كان الشبه شديدا، بل إنه لم يكن تشابها ولكن تطابقا.

 مكثنا نحملق في بعضنا البعض ساعة قبل أن ننطق من جديد في نفس الوقت وبنفس الكلمات.. من أنت؟

 ثم ابتسمنا، نفس الإبتسامة المحتشمة التى لا تكاد ترى. قلت في نفسي لو نطقت من جديد سينطق بالمثل، لذلك سكتت وأخذت أبحث عن مكان نجلس فيه ونبتعد عن ضجيج الشارع.

 تراءى لي في منعطف الشارع كرسي عمومي، وحين يممت صوبه وجدته قد توجه نحوه أيضا كأنما أشرت له بذلك.

 جلسنا على الكرسي متجانبين، لم أستطع أن أقول شيئا . كنت أريد أن أعبر له عن درجة الشبه التي بيننا، كنت أريد أن أسأله من يكون، وكيف جاء إلى حيث أسكن.

 كنت أريد أن أعرف أيضا إن كان يشبهني في الشكل فقط أم أن التطابق كان يتعدى ذلك إلى التفكير والعادات والمزاج والذوق والشخصية والعواطف والأحلام والتصرفات…

 أحسست أن رأسي يؤلمني، رفعت يدي أمسح عرقا بجبيني وإذا بيده ترتفع أيضا لتمسح قطرة تلألأت فوق حاجبه.

 أحسست بالدوار، لم يكن الأمر سهل التصديق . ما سمعت يوما باثنين تشابها إلى هذا الحد . قمت من مكاني ويممت صوب منزلي دون أن ألتفت ورائي. أحسست نفسي في حلم بل في كابوس أردت التخلص منه بأية وسيلة.

 قمت من الغد نشطا كعادتي، كدت أنسى الحكاية وأحسبها حلما إنتهى لولا أنني وجدته أمامي حين دخلت المقهى يبحث على مقعد للجلوس.

 تقابلنا على طاولة واحدة وحين جاء النادل طلبنا نفس المشروب، القهوة الكبيرة بالحليب بقطعة السكر الواحدة.

 أخذت أحرك القهوة وأنظر إليه، من عادتي أن أحرك القهوة كثيرا قبل أن أشربها، وحين نظرت إلى يده وجدته يحرك قهوته بمثل عصبيتي التي لا تبدو كثيرا للعيان.

 ترشفت الرشفة الأولى بتمهل ثم أكملت كأسي على عجل ففعل مثلي، قمت من مكاني واتجهت إلى عملي فقام معي وتفارقنا في المنعطف.

 حين رأيته في العشية وقد لبس بدلة رياضية ووقف أمام الحديقة العمومية لم أستغرب كثيرا، إذ كانت تلك عادتي منذ حللت بالمدينة.

 أخذنا نجري جنبا إلى جنب بنفس الخطوة ونفس النسق . أصابتني فجأة سعادة كبيرة، طول عمري أبحث عمن يشاركني حصتي الرياضية ولكن لا أحد من أصدقائي تحمس لذلك.

 حين تفارقنا بعد ذلك للإستحمام كنت متأكدا أننا سنتقابل بعد قليل لنبحث على مطعم صغير نتناول فيه وجبة خفيفة ونفكر في وجبة الليلة.

 عن لي ليلتها أن أذهب إلى السينما وحين اقترحت عليه ذلك إستحسن الفكرة دون تردد فشعرت بغبطة لا تنتهي.

 لم نكن نتكلم كثيرا، كنا ننهمك في أنشطتنا المشتركة وحين ألتفت إليه أجده ينظر إلي مبتسما إبتسامتي الخفيفة، سعيدا بما يشاركني فيه من أعمال.

 ولكنه جاءني ذلك الصباح فشربنا القهوة معا ثم نظر إلي طويلا قبل أن يقول لي دون سابق إعلام..

 - لا بد أن أرحل.

 نظرت إليه أحاول أن أستوعب قوله، سألته..

 - ترحل إلى أين؟

 قال..

 - إلى حيث لا أدري.. لم أعد أحتمل المكوث هنا..

 قلت له مستنكرا..

 - لماذا؟ هل هناك ما يقلقك في هذا المكان؟

 قال..

 - أبدا.. ولكن يجب أن أرحل.

 قلت..

 - ولكنني سعدت كثيرا بمشاركتك هواياتي.

 قال..

 - إننا نشبه بعضنا أكثر من اللازم، لقد سئمت هذا الأمر.

 قلت..

 - أما أنا فقد أعجبت كثيرا بدرجة تفاهمنا.

 لم يرد على قولي، أحسست أن الأمر لا رجعة فيه قياسا بنفسي إذا ما صممت على شيء. قلت رغم ذلك محاولا إثناءه عما نوى..

 - وجودنا مع بعض معجزة، فرصة كبيرة فلا تضيعها علينا.

 قال محملقا في الفضاء..

 - لا بد أن أرحل.

 تفارقنا في المنعطف، رأيته يقف في العشية هناك في أول الشارع ينظر إلي نظرتي البائسة الحزينة.

 لم أره منذ ذلك اليوم، ولكنني ظللت أتذكره كلما أحسست بالوحدة، فأنظر إلى المنعطف أو رأس الشارع عساه يظهر يوما.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر