كل شيئ على ما يرام
كتبهاأنيس الوهابي ، في 10 سبتمبر 2008 الساعة: 16:35 م
إرتفع الصوت من خلال السماعات.. عشر ثوان وتفتح البوابة.
إبتسم بزهو، أعاد تفقد زيه ووقف متحفزا. أنزل الواقي الشمسي ليغطي عينيه وشد قبضته على العمود.
حين فتح الباب دق قلبه بعنف. بدا ضوء الشمس قويا رغم الواقي. أخذت الدعامة تتحرك اتخرجه من المركبة فشد العمود بقبضتيه.
تحسس خطواته. وقف مقابلا الفضاء الرحب. تملى الكون الشاسع من حوله. تملى في النجوم تعن عن بعد.. هو ذا الفضاء الذي يراه كما لا يراه أحد، واسع وسرمدي وصامت.
نزل رويدا رويدا درجات السلم. تماسك جيدا. أحس نفسه خفيفا جدا. أخف مما كان في المركبة. أصابته الرهبة للحظات. أحس نفسه صغيرا جدا أمام الفضاء المترامي وأحس أن المركبة ضائعة في عالم لا حدود له.
بحث عن توازنه محاذرا أية حركة تذهب به بعيدا أو تقلبه رأسا على عقب.
صاح في مرافقيه المترقبين في المركبة.. كل شيء على ما يرام.
فارتفع الصوت من خلال السماعات.. حظ سعيد.
أخرج آلات العمل من المحفظة وأخذ ينفذ برنامج الصيانة بكل دقة. مهمته ليست صعبة على دقتها. كان يجب أن يقوم بصيانة أحد الأقمار المترامية في الفضاء. سيغير قطعة بأخرى ويحكم إدارة أحد البراغي ثم يعود إلى المركبة. ولكن لكي يقوم بهذا العمل البسيط كان يجب أن يكون طيارا حربيا ماهرا وأن يقع عليه الإختيار لينخرط في البرنامج الفضائي وأن يقوم بالتدريبات الشاقة لمدة سنوات. وكان يجب أن يشارك في ثلاث رحلات تجريبية إلى الفضاء الخارجي حتى يصبح رائد فضاء محترف.
من ثمة أصبح هذا العمل روتينيا لديه وأصبح يشارك بانتظام في مثل هذه الرحلات حتى أنه إذا ما سأله أحدهم عن عمله لا يتورع أن يقول أحيانا إنه عون صيانة.
لكن هذه الرحلة هي آخر رحلاته إلى الفضاء. أي أنها آخر مرة يقف فيها مباشرة أمام الكون دونما حواجز، وآخر مرة يمد يده فيكاد يلامس الكواكب، وآخر مرة ينظر إلى الأرض كأنها القمر.
إرتفع الصوت من جديد.. كيف الحال ؟
صاح بينما يداه منهمكتان تفحص الآلة التي بين يديه في مهارة بالغة.. كل شيء على ما يرام.
حين أتم عمله وقف على الدعامة محاولا أن يملأ ناظريه لآخر مرة بمنظر الفضاء السرمدي. أصابه نوع من العشق لهذا المنظر. إنتابه إحساس بالحرية ما أحس به من قبل وأحس أن كل الفضاء اللامتناهي أمامه ملك له وحده.
قال في نفسه.. لا أحد يقف الآن وقفتي ليتملى هذا المنظر. إلتفت إلى الأرض. بدت له كرة صغيرة زرقاء. تذكر أندري جيد وكوبرنيك وقال بزهو.. لا أحد منهما وقف وقفتي هذه.
هم أن يعود إلى المركبة لكنه توقف فجأة. لم العود إلى الأرض والفضاء رحب أمامه ؟
نزع الحبل الذي يربطه إلى المركبة ورمى نفسه في الفضاء. أخذ يحلق مبتعدا فتعالى الصوت.. ماذا تفعل ؟
نظر ألى المركبة تبتعد. نظر إلى الأرض صغيرة ومدورة وضحك من كل قلبه.. لا تهتموا، كل شيء على ما يرام..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























